حكاية الولد ذو الإصبع الذّهبي
من الفولكلور المغربي
الثلاثة صديقات (حلقة 1 )
إنهّن ثلاث صديقات حميمات، محجوبة ،ومحبوبة، وعيشوشة لا يكدن يفارقن بعضهن بعضا، ويذهبن سويا إلى جميع الأمكنة،وفي أحد الأيّام، استيقظن باكرا للذهاب لجمع الحطب، وتابعن مسيرهن حتى وصلن إلى منزل بالقرب من بستان مترامي الأطراف، فيه مختلف أصناف الغلال والأشجار المثمرة. ولما اقتربنا منه، بدأن في الكلام بصوت مرتفع، وفي الوقت الذي يجمعن فيه الحطب، تنهّدت محجوبة ،وقالت :إذا تزوج بي صاحب البستان، سأعدّ له كسكسا فقط بحبة من السّميد، أم محبوبة فوضعت يدها على خدها ،وقالت: إذا تزوّج بي، سأخيط له جلبابا بلفيفة واحدة من الصّوف. ،وصاحت الثالثة: عيشوشة : أمّا أنا، فإذا تزوج بي، سأنجب له ولدا يكون إصبع رجله من ذهب، وضحكت منها صديقتيها ،وقالتا :ما أعجب هذا الوعد التي قطعتيه على نفسك!!!،فأجابت :والله لقد خطر في بالي فقلته ،ومن يدري على ما تخبّئه لنا الأقدار يا بنات !!!
وأثناء ذلك كان صاحب البستان يسترق السّمع ،ولما نظر إليهنّ من ثقب في السور وجد أنهنّ جميلات .مرت الأيام، و تقدم لطلب يد محجوبة ،وبعد الزّواج ها، أراد أن يمتحنها ليرى صدق وعدها ، فأعطاها حبّة من السّميد ورطلا من اللحم ،وقال لها: ، أطبخي لنا كسكسي ،فأجابته: لا يمكن ذلك بحبة من السّميد فقط.!!! بعد شهر تزوج محبوبة ، وأراد أيضا أن يمتحنها ، فأعطاها لفيفة من الصّوف، وقال لها: اصنعي لي منه جلبابا كما وعدت بذلك !!! فأجابت: ومن يقدر على غزل الجلباب بلفيفة واحدة من الصّوف ؟ وفي الأخير تزوج عيشوشة ،التي تعهدت بأن تلد له ولدا إصبع رجله من ذهب. ومع مرور الأيام، ظهر عليها الحمل .
ولمّا حان موعد الولادة ، قال صاحب البستان :سنرى إن كنت ستنفّذين وعدك ؟ مكثت الصديقتان معها، ولم يفارقنها ولو للحظة واحدة، إلى أن ولدت طفلا جميلا أحد أصابع رجله من ذهب، فلم تصدّق المرأتان ،أن هذا يمكن أن يحدث،ولم تستطيعان إخفاء حقدهما. قالت واحدة منهمل لأخرى: ماذا سنفعل الآن؟ بما أنّها نفّذت وعدها، فحتما سيحبها أكثر، ويقوم بتفضيلها علينا، وربّما طلقنا!!! أجابتها الثانية: لا تقلقي، عندي حلّ لا يخطر على بال أحد. وفي الفجر حين خرج الرّجل لحراثة البستان ،إغتنمتا فرصة نوم عيشوشة، وأخذتا الطفل، وقطعتا أصبعه الذّهبي، ووضعتاه في فم الأم، ثم أحضرتا عظام جدي نهشته الكلاب ،وأخفتاه تحت السرير، وأمّا الطفل فقد رمتاه في حفرة على طريق مهجور .
عندما استيقظت الأمّ ،وجدت فمها مغطى بالدّماء، فأصيبت بالهلع لأنها لا تعرف ماذا حدث، إلتفتت حولها ،فلم تجد الطفل، فبدأت تبحث عنه في كل مكان لكنها لم تجده ، وفجأة بدأت الصديقتان تصرخان: إنك غولة، لقد أكلت طفلك الصغير شرعت الأمّ بالنّواح بدون توقّف: وتقول يا إلهي هل حدث هذا حقّا ،لا أمكن أن أفعل ذلك؟وجرت الاثنتان إلى الزوج لإخباره بأن زوجته غولة ،و لقد أكلت الطفل الذي ازداد حديثا، فجاء ،وهو يعتقد أنّهما تريدان إخافته، لكن حين دخل رأى أنّ الدّماء لا تزال على فم عيشوشة ،وهي لا تكفّ عن البكاء والصّراخ،وحانت منه إلتفاتة إلى الفراش، فرأى تحته عظاما منهوشة، فانعقد لسانه من الدّهشة ،وعجز عن الكلام .
قالت المرأة :لا أعرف ماذا حدث، أؤكّد لك أنّي لم أفعل شيئا !!! قد يكون ذئبا أو ثعلبا دخل البيت دون أن نفطن له ،صرخ الرّجل في وجهها: ويحك أكلت إبني، وتحاولين خداعي أنت أخطر من الحيوان !!! أمّا هي ، فجلست في ركن تفكّر في هذه المصيبة ،ولطيبة قلبها لم تشكّ في رفيقاتها ،ولم ذلك ؟ فهنّ صديقات منذ أن كنّ أطفالا !!! فكّر الرّجل قليلا ،ثمّ قال : في انتظار معرفة ما حصل، فأنا لا أثق بك ،ربّما تكونين غولة دون أن أعلم !!! لهذا السّبب ستعيشين مع الدّواب، وستنامين معهم، وسنرى إن لم تأكلي منهم أحدا، ولو فعلت ذلك لطلّقتك بالثلاثة أيتها اللعينة …
…
يتبع الحلقة 2
الولد ذو الإصبع الذهبي
من الفولكلور المغربي
صيّاد السّمك وزوجته (حلقة 2 )
أحسّ الطفل بالجوع ،فبدأ بالبكاء ،وصادف أن كانت كلبة تمرّ من ذلك المكان فأخرجته من الحفرة، وحملته بين أسنانها حتّى وصلت به إلى نهر كبير فرآها صياد يمرّ بزورقه، فصاح بها لتتركه ،فرمته على الأرض وهربت ، أمّا الصّياد فجرى للطفل، وحين رأى أنّه حيّ حمد الله على سلامته ،وضمّد إصبعه المقطوع بخرقة ،ودار هنا وهناك عسى أن يرى أحدا من أهله ،لكن لا أثر لمخلوق ،وفي الأخير حمله معه إلى داره ،ولمّا رأته زوجته فرحت أشدّ الفرح ،وقالت في نفسها :كم أنت كريم يا ربّ !!!عوّضتني عن الأبناء الذين لم أرزق بهم .وإعتنى الصّياد وإمرأته بالطفل وأرسلاه للكتّاب فحفظ القرآن ،وتعلّم القراءة والكتابة ،وكان صيّادا ماهرا يحسن الرّماية بالبنادق ،وكلّ من يراه يعجب به لجمال وجهه ،وحسن أخلاقه .
وكان الصّبيان يغارون منه ،فقد كان يتفوّق عليهم في كلّ الألعاب ،ولمّا يتعاركون معه يهزمهم ،وفي أحد الأيّام ،غضبت منه أحد الجارات لأنّه ضرب إبنها رغم كونه أكبر سنّا منه ،فجاءت إليه ،وقالت له :إبحث عن أهلك الذين ألقوا بك في الشّارع ،فليس لك ما تفعله هنا !!! تألّم الولد من هذه الكلمة وحين سأل الصّياد قال له: لا تعبأ بكلامها ،فأنت أحسن الأولاد في هذه القرية ،وكلهم يحسدونني عليك ،كبر الولد لكنه كان يسمع دائما نفس الشيئ وذات يوم أتى للصّياد وإمأته ،وهم جالسين ،وقد ظهر الشّيب في رأسيهما ،وقال: تعلمان مقدار حبّي لكما ،لكنّي أرجوكم ،أريد أن أعرف الحقيقة ،ربّما لي أهل في مكان ما يشتهون رؤيتي ،ويتعذّبون لفقداني ،وأنتما رأيتماني أكبر بينكم ،وقرّت عينيكما بي ،أمّا هم فلم يكن لهما ذلك الحظ !!!
نظر الصّياد إلى إمرأته ،وقال له: ما سمعته صحيح ،فقد أتت بك كلبة ورمت بك أمامي وربّما تكون قد إختطفتك ،لكن لم أهتد إلى أهلك، وكنت جائعا ،وفي أسوأ حالة ،وعجّلت بحملك عندي ،وأطعمتك ورعيتك حتى دبّت فيك الحياة ،ونفخت فيك الرّوح من جديد ،فإن وجدت أهلك فعش معهم حتى يفرحوا ،فإنّي أعلم أنّ فقدان أحد من الأحبّة ليس سهلا ،والله فقط يعلم ما عانوه أيام غيابك، لكن لا تنس أن تأتينا دائما !!! فبكى الفتى ،وقال :لو شاء الله سنكون جيرانا ،فأنا لا أطيق فراقكما ،ثم أرشده الصّياد أين وجده ،وجهّز له زادا وقربة ماء ،وسار حتى وصل إلى المكان الذي رمته فيه الكلبة لمّا كان صغيرا ،وبدأ يبحث فوجد عدّة قرى قريبة من ذلك المكان ،وبدأ يسأل الشّيوخ عن طفل إختفى منذ خمسة عشر عاما ،فلم يجبه أحد ،وبقي أياّما وهو يدور ويسأل،وفي الليل يجيئ تحت جذع شجرة وينام .
في أحد الليالي رأى شبح امرأة يقترب في الظلام، ثم تخرج دمية من القماش وتغنّي لها وتناجيها ،ثم تبكي بكاء مرا ،وترجع الدمية لمكانها ،وتذهب في حال سبيلها ،فاستغرب الفتى من تلك المرأة ،وقام من مكانه إلى حيث كانت تجلس ،ولمّا أزال الأعشاب رأى مهدا من الخشب مفروشا بالصّوف وفي وسطه دمية من القماش والقشّ تلبس ثياب رضيع ذكر ،وأحد أصابع ساقيه من الذ،هب وكانت توجد أشياء كثيرة حول المهد منحوتة في الخشب ربّما كانت بالمئات ،أمسك أحدها ،ونظر إليها كانت حصانا جميلا مصنوعا بعناية وملوّن ،فقال في نفسه: هذه المرأة وقعت لها مصيبة ،وهي تحاول أن تعيش حلما جميلا يعوّضها عن عذابها ،وفي الغد جاءت وأحضرت شيئا منحوتا وضعته مع البقية ،وفعلت مثل ما بالأمس ،ثم ذهبت ،وفي اليوم الثالث قرّر أن يتبعها ليرى أين تقيم و،أحسّ ناحيتها بشعور قويّ لم يعرف سببه ،وكأنّ صوتها مألوف لديه، ثم أن هناك شيئا غريبا فلقد كان الإصبح الكبير لساقه اليمنى مقطوعا ،أمّا عند الدّمية فقد كان مكانه إصبع من ذهب هل يمكن أن يكون ذلك مصادفة ؟
كان يمشي ورائها ويفكّرحتى إقترب من بستان كبير ،فدفعت الباب ودخلت ،ولم يقدر الفتى عن الإقتراب ،فقد رأى مجموعة من الكلاب رابضة وهي تلوّح بأذنابها ،وفي الصّباح رأى مرأتين تخرجان بصحبة رجل وتشتغلان معه في البستان ،فقال لماذا لم تخرج معهم المرأة التي شاهدتها في الغابة ؟ وفجأة فكّر أنّها قد تكون محبوسة ،ولا بدّ أن يفعل شيئا لإنقاذها ،ولمّا إنتصف النّهار طرق الباب ،ففتح له صاحب البستان، وسأله عن حاجته ،فأخبره أنه طالب علم يريد ماء ومكانا نظيفا ليصلّي فيه ،فال له :أدخل، واقرأ لنا شيئا من القرآن لتحلّ البركة على دارى ،ويرزقني الله الذّرية بعد أن إختفى الطفل الأوّل، دقّ قلب الفتى بشدّة ،وأحسّ أنّه سيعرف أخيرا ما جرى ،ومن كان له مصلحة في أن يختفي أو ربّما يموت …
…
يتبع الحلقة 3
الولد ذو الإصبع الذهبي
من الفولكلور المغربي
اللقاء المستحيل (حلقة 3 )
دخل الولد مروان الدّار ،وصلّى ،ثمّ جلس يتلو القرآن و،لمّا أتم القراءة ،إلتفت إلى صاحب البستان ،وقال له هناك امرأة ثالثة تعيش هنا أليس كذلك ؟ استبدّت الدّهشة بالرّجل ،وقال له: هذا صحيح !!! لكن كيف عرفت ذلك ؟ أجاب الولد: لقد أحسست بذلك ،وأعرف أنّ قلبك محتار،،والآن دعني أذهب للزّريبة فهناك يوجد الجواب عن كلّ تساؤلاتك !!! قال صاحب البستان في نفسه : هذا الولد مبارك، فلقد فهم في لحظة واحدة ما أخفيته منذ خمسة عشرة سنة ،وأذن له بالذّهاب، راجيا أن يحمل له خبرا يريحه من الألم الذي يعيش فيه .دفع مروان باب الزّريبة ،فرأى امرأة قذرة مكوّمة على نفسها في ركن ،وهي تنحت قطعة خشب ،إقترب منها ،وألقى عليها السّلام ،فالتفتت بدهشة نحوه ،ورمقته بطرف عينها ،فرأت أنّه جميل الوجه وطويل القامة ،ثم قالت: ويحك من أنت !!! وكيف تركك ذلك الرّجل تدخل إلى هنا ؟
فجلس، وقال :لقد شاهدت الدّمية التي تخفينها في الغابة ،وأريد أن أعرف قصتك!!! همست : إخفض صوتك ،ذلك الرّجل زوجي ،ولو عرف أنّي أخرح للغابة سيكون موقفي صعبا ،فهو يقفل علي الباب، لكنّي حفرت نفقا يقود إلى الخارج ،وكلّ يوم أذهب للغابة ،والدّمية التي رأيتها هي إبني الذي إختفى مني ليلة مولده ،ووجودها يجعلني أنسى أعانيه من حزن ،هذه هي قصّتي ،والآن قل لي من أنت ؟ خلع امروان حذائه،وأرها قدمه اليمنى المقطوعة الإصبع ،وقال لها: ألا يذكّرك ذلك بشيئ ؟ شهقت عيشوشة ،وصاحت :لا يمكن !!! هل هو أنت ؟ قال : نعم يا أمّي ،لقد وجدني صيّاد سمك فقير وحملني عنده ،وربّاني حتى كبرت ،والآن رجعت إلى قريتي ،قالت :هل تصدّق أني أحسست كأنّي أعرفك ،فلقد كنت أراك في الحلم تزورني ،إقترب يا بنيّ لأضمّك لصدري !!! بكت وسالت دموعها على خديها ،فقال الولد : تعالي معي لأعلم أبي ،فلا شكّ أنّه سيفرح بقدومي !!!
ردّت عليه: لا أعتقد أنّها فكرة جيّدة ،ولا آمن غدر رفيقتاي اللتان دبّرتا قتلك ،وهذه المرّة لن تنجو منهما ،ولم أكن أعتقد أن الطّمع يمكن أن يغيّر الإنسان لهذه الدّرجة ،فرغم صداقتنا كانتا تتمنّيان هلاكي ،وتتركاني أعاني من الجوع وأنا محبوسة في الزّريبة حتى اضطرّرت لأكل شعير الدّواب ،أمّا زوجي فهو مغلوب على أمره و،هما تسحرانه حتى لا يعرف الحقيقة . فكّر قليلا ،ثم قال :عندي حلّ يا أمّي ،سآخذك إلى دار صيّاد السمك فهي على مسافة يومين من هنا، وسنعيش معا !!! ردّت عليه : ومن أين سأنفق على نفسي ؟ أجابها : الله كريم !!!سأنتظرك هذه الليلة في الغابة، فلا تتأخّري ،والآن سأجعل تلك المرأتان تدفعان ثمن غدرهما ،فجاء إلى أبيه وقال له هل تريد أن تعرف الحقيقة ،أجابه : طبعا ،هذا ما أبحث عنه منذ زمن، صمت الولد قليلا ثم قال :أنصحك أن تحذر من زوجتيك ،فهما لئيمتين، وسبب كلّ مشاكلك ،أمّا عن إبنك فهو حيّ ،ولقد أنجاه الله منهما ،والآن سأتركك !!!
قال الرّجل : إنتظر لا بد من إعطائك مكافئة ،فكلّ ما قلته إلى حدّ الآن صحيح لهذا فأنا أصدّقك ثمّ مدّ له صرّة كبيرة من الدّراهم ،فأخذها مروان، وحمد الله على نعمته وفي طريقه للغابة اشترى طعاما ،وسلاحا ،وكيسين كبيرين وضع فيهما الدّمية والتحف التي صنعتها أمّه ،ثم جلس ينتظرها ،وحين أظلمت الدنيا جاءت عيشوشة ،فأركبها على حصانه ،ومضيا في سبيلهما ،ومشيا طول الليل ،وعند طلوع الصّباح كانا قد إبتعدا كثيرا عن البستان فشعرت المرأة بالرّاحة ،ولمّا وصلا لقرية الصّياد أخذ الولد أمّه للحمّام وذهب للسّوق واشترى لها ثيابا جديدة ،، وفجأة سقط أحد أكياس التّحف ،فتبعثرت محتوياته ،وكان أحد التّجار مارّا على بغلته ،فلمّا رأى التّحف على الأرض نزل وأخذ أحدها وقلّبه ،فسأله كم تبيع هذه القطعة ؟ أجابه: ليست للبيع ،لكنّي أعطيها لك هديّة .رجع مروان بالثّياب وقارورة عطر للحمّام ،ولبست المرأة ملابسها الجديدة ،وتعطرت ،ولمّا شاهدها إبنها لم يعرفها لشدّة حسنها،ثم أخذا معهما كثيرا من الهدايا ،وقصدا دار صيّاد السمك …
يتبع الحلقة 4
الولد ذو الإصبع الذّهبي
من الفولكلور المغربي
الأميرة أشواق بنت السّلطان (حلقة 4 )
دقّ الولد وأمّه الباب ففتح لهما الرّجل ولمّا رآهما فرح فرحا شديدا ،وجاءت إمرأته تجري ،ورحّبت بهما ودموعها تتساقط من عينيها ،وطبخت لهما الطعام فأكلا واستراحا بعد هذه الرّحلة الطّويلة ،وفي الصّباح قال الولد للصّياد : غدا سآخذ القارب والشّبكة، وأخرج إلى النّهر، فلا أريد أن تكون أمّي عالة على أحد ،ولمّا رأى الصّياد إصراره ،قال له :لقد كبرت ،ومن حقّك أن تربح قوتك بعرق جبينك !!! أمضى الولد أيّاما وهو يكدّ ويتعب لكن الرّبح كان قليلا ،ولن يكون له وأمّه بيتا مستقلاّ ،وكان ذلك يصيبه بالإحباط، لكن ذات يوم سمع طرقا على الباب، ووجد أمامه التّاجر الذي رآه في السّوق ،وقال له :يجب أن نتكلّم ،أنا مستعدّ أن أشتري منك التّحفة الواحدة بثلاثة دراهم !!! فكّر مروان وقال: هذا ثمن جيّد، فأنا لا أربح من بيع السّمك سوى عشرة دراهم ،فكلّم أمه فأجابته: لم أعد أستحقها بعد أن وجدتك ،يمكنك بيعها إن أردت .
أخذ التاجر الكيسين ،وأعطاه ستمائة درهم ثمنا لها ،وكانت مبلغا كبيرا بالنّسبة لمروان،فقال لأمّه :سأشتري الخشب وما يلزم ،وعلّميني هذه الصّنعة، ونشتغل معا ،وبعد مدّة أتقن النّحت والرّسم، وبدأ يصنع تحفا جميلة ،وعليها ألوان زاهية ،وزادت أرباحهما ،فوسّعا منزل الصّياد ،وزرعا فيه أصناف الأشجار المثمرة، وصار لهم قطيع من الأغنام ،وأصبح الولد ينزل إلى المدينة كلّ أسبوع ،ويبيع تحفه للدّكاكين ،وذات يوم بينما كان يدور في أحد الأسواق الكبيرة ناداه رجل ،ولمّا إلتفت وراه رأى أباه فسلّم عليه ،وسأله عن حاله فأجابه أنّه طلق إمرأتيه بعد أن فاجأهما يدسّان نباتا غريبا في برّاد الشّاي ، ،ولمّا كفّ عن شرب تلك النبتة رجع له صفاء ذهنه ،وندم على معاملته القاسية لزوجته الثالثة التي فرت من الزريبة ،ولقد بحث عنها في كل مكان ولم يجدها ،وشكره ،فبفضله يعيش الآن مرتاحا بعدما علم أن إبنه حيّ يرزق .
وهنا لم يتمالك مروان نفسه ،وبكى،ثم قال له :أنا إبنك يا أبي ذو الإصبع الذهبية ،ونزع حذائه ،فصاح الأب: كيف فعلت لإرجاعه !!! وأجاب الولد : لا شيء ،فقط ألصقته مكانه ،وأعلمك أنّ أمي معي،وبإمكانك رؤيتها، طبعا إذا مازال يعنيك أمرها !!! كانت عيشوشة جالسة في منزل الصياد حينما دخل عليها زوجها ،وقال لها :لقد إنتهى كل شيئ، وطلقت صديقتيك بعد أن كشفت أمرهما ،وأريد منك أن تسامحني ،فقد أخطأت في حقك ويعلم الله أني كنت دائما أفكر فيك ،لكن سرعان ما أحسّ أنك شيطانة ،فأهرب منك ،واكتشفت أن ذلك بسبب السّحر الذي يضعونه لي في الشاي!!! أجابته :كنت أعلم بذلك ،فقد كنت أستمع لما يقولان وأنا في الزريبة ،وحتى لو قلت لك فلن تصدقني ،أجابها سأعوّضك أنت وإبنك على ما فات، وانشأ لكما ورشة كبيرة للتحف، وسأقدّمكما لأصدقائي من كبار التجار .
فودع الولد وأمه صياد السمك وزوجته و،قالا لهما كلما إشتريناه وبنيناه هو لكما ،والغنم والأشجار المثمرة ستعطيكما مالا كافيا لتعيشان في خير ،وسنأتي كل شهر لزيارتكما !!! واصلت عيشوشة صناعة التّحف ،وأمّا مروان فأغرم بالرّسم والنّقش على الخشب ،وذات يوم سمع به الوالي فاستدعاه لتزيين قصره ،ولمّا أتم الولد عمله إندهش الوالي من جمال الرّسوم ،وكافئه بسخاء وبلغ الأمر السّلطان الذي طلب منه تزيين قاعة العرش فرسم على السّقف السّماء، والشمس، والسّحب ،والأطيار، ولشدّة إتقانها كان يخيّل لكلّ من ينظر إلى السّقف أنّه يجلس خارج القصر وكانت الأميرة أشواق إبنة السلطان تحب الفنّ ولمّا يأتي مروان تقف وتنظر له وهو يعمل ،وكانا يتحدثان معا ،تم تخرج للفسحة في الغابات وقطف الزهور مع بنات الوزراء والحاشية وتناول الطعام على العشب الأخضر .
لكن لاحظت صديقاتها أنها لم تعد تخرج معهن ،وحين بحثن عليها وجدنها جالسة على زربيّة وتأكل مع مروان ،وقد بانت على وجهها السعادة ،فتغامزن مع بعضهن ،وقلن لها الحق في أن تعشق ذلك الولد وهو وسيم جدّا وظريف،ويبدو أنّه يحبها …
…
يتبع الحلقة 5 والأخيرة
الولد ذو الإصبع الذهبي
من الفولكلور المغربي
عنكبوتة في طبق الأميرة (حلقة 5 )
لمّا إنتهى مروان من العمل، كانت فرحة السّلطان لا توصف ،فقال له :أحضر أيّ شيئ وسأملئه لك بالذّهب !!! أجابه : لي طلب واحد يا مولاي ،فسأله،وما هو ؟ كانت أشواق بجانب أبيها ،فنظر إليها ،وقال: أريد طلب يد الأميرة !!! فقطب الملك جبينه ،لكن البنت أمسكت يده ،وقالت :وأنا موافقة يا أبي !!! ردّ الملك : إذا كان الأمر كذلك، فأنا أيضا موافق، فأبو مروان وأمّه من أهل الفضل والمروءة ،ولم أسمع عنهما إلا خيرا ،وإنتشر خبر الزواج في المدينة ،و علم به كلّ النّاس ،ففرحوا ،وزيّنوا الشّوارع ،ونصبت الموائد ،وأكل الجميع كبارا وصغارا ،وفي أحد الأركان كانت امرأتان تتميّزان من الغيظ، وقالت أحداهما للأخرى :أرأيت يا محبوبة سوء تدبيرك ،كان عليك أن تقتلي ذلك الطفل قبل رميه في الحفرة ، والنتيجة أنه كبر وأنقذ أمه ،والآن يتزوج بنت السلطان
ردت الثانية : بالله عليك يا محجوبة ،كيف لي أن أعلم أنه سيخرج من تلك الحفرة ،فلا أحد يمر من هناك !!! يجب أن تعترفي أنّه محظوظ منذ البداية ،،فمن يولد بذلك الجمال وفي قدمه إصبع من الذهب ؟ إسمعي لم ينته كلّ شيء ،وسنحتال عليه لنفتله ،ونجعل أمّه وزوجها تموتان كمدا .كانت محجوبة ساحرة و،قد تعلمت ذلك من جدتها التي ربّتها بعد موت أمّها ،وهي التي دست الحشائش في شراب زوجها ،ليكره ضرتّها الجميلة عيشوشة ،وبعد طول تفكير خطر لها طريقة خبيثة لقتل مروان داخل القصر ،فقد بلغها أن ذلك الفتى يحب الرمان ،فنزلت إلى السّوق واشترت رمانة حمراء كبيرة ،وثقبتها ثمّ أدخلت فيها عنكبوته غريبة الشّكل ،غدا في الصباح تنكرت في زي أحد الجواري ،وانتظرت أمام القصر، وحين جاءت عربات المؤونة وضعت السلة فوق رأسها واندسّت وسط الخدم ،
كان الكل مشغولا فلم ينتبه لها أحد ،ثمّ نزلت إلى الحديقة أين تعوّد أن يجلس مروان ،ووضعت الرّمانة على الطاولة ،ثمّ انصرفت في سبيلها ،في ذلك الوقت كانت الأميرة أشواق تبحث عن زوجها ،ولمّا إفتقدته ،ذهبت إلى الحديقة ،فرأت الرّمانة واشتهت أن تذوق منها ،وحين أمسكتها خرجت العنكبوتة ،وقرصتها ،ثم هربت ،أحست الأميرة بالألم ،وبعد قيل بدأت يدها بالانتفاخ ،فنادوا لها الطبيب الذي وضع عليها أعشابا ،وقال :لها لا تخافي ستشفين بعد يومين،لكن حالتها بدأت تسوء ،وظهرت بقع زرقاء على ذراعها ،جزع مروان عليها ،فهو تربّي في الغابة، ويعرف الحشرات ،وقرصته كثيرا منها لكن لم ير تلك البقع من قبل ،ولمّا سألها عن آخر شيء لمسته ،أجابت: الرّمانة التي على منضدة الحديقة .
جمع السّلطان جميع أهل القصر لمعرفة من أدخل الرّمانة، لكنهم نظروا لبعضهم، وقالوا : لا ندري :فكل شيء ننقله للمطبخ !!! ثمّ وقف أحد الحرس وقال: آه لقد تذكرّت !!! قبل أيام رأيت خادمة تزل إلى الحديقة ،فلم أسألها ،وظننت أن سيدي الأمير هو من طلب ذلك ،قال مروان: هل يمكن لك أن تصف تلك المرأة ؟ فأجابه :لم تكن تختلف في لباسها عن غيرها ،لكنّها بيضاء وتعتني بزينتها ،صاح مروان : تباّ إنّها المرأة التي طلقها أبي مع رفيقتها ،لقد رأيتها في البستان، وأخشى أن تكون قد دسّت سحرا لأشواق !!! أصيب السّلطان بالذعر، واستدعى الأطباء الذين أجمعوا أن من قرص البنت حشرة ولكنهم لا يعرفون لسمّها علاجا ..
قال مروان: لا بد أن نجد تلك الحشرة ،ومن المؤكّد أنها في الحديقة!!! فوضع صحنا فيه عسل ،وفي الصباح نظر فيه ،ووجد كثيرا من الحشرات ملتصقة في العسل ومن بينها واحدة غريبة لم يرها في حياته ،كانت عنكبوته خضراء اللون بثلاثة عيون ،وقال في نفسه :زوجة الصّياد ماهرة في صنع العقاقير ،والهوام لا تدخل دارها رغم أنّها في الغابة ،سأذهب إليها حالا ،وأسئلها …
يتبع الحلقة 6
الولد ذو الإصبع الذهبي
من الفولكلور المغربي
حارس مغارة الأسرار (حلقة 6 )
ولمّا وصل إليها ،فرحت به ،ولكنّه كان كئيبا ،وأخبرها عمّا حصل ،فقالت له: أرني الحشرة التي كانت في الرّمانة !!! وحين شاهدتها ظهر الوجوم على وجهها ،وفي تلك اللحظة دخل الصّياد ،فسألها : ما لك يا إمرأة ؟ وما هذا الذي تحملينه في تلك القنّينة ؟،أجابت: إنّها عنكبوتة تبيض في جسم ضحيّتها، ولمّا يفقس البيض فإنّ الصّغار ستأكل لحمها، وعندئذ لا يبقى منها إلا الجلد ،والضحيّة المسكينة هي الأميرة أشواق !!! شهق نعمان ،وصاح :هل هناك دواء !!! ردّت عليه : هذا يتوقّف على شجاعتك ،في أعلى الجبل تنمو زهرة شفّافة ،كان القدماء يصنعون منها ترياقا للسّموم ،لكن لم يرها أحد منذ زمن طويل ،وربّما لا يزال منها زهرات قليلة وراء الصخور، عليك بالإسراع قبل أن تكبر الصّغار في جسم الأميرة .ركب مروان حصانه ،وطلع إلى الجبل وفتّش في كل مكان، وحين قارب الليل على النّزول ، أراد الرجوع ، فلم يعرف طريقه في الجبل،فمشى حتى أظلمت الدنيا ،ومن بعيد رأى نارا ،فاتّجه إليها ،وهناك وجد شيخا تدلّت لحيته على صدره ،جالسا قرب مغارة ،،فسلمّ عليه ،وقال له: إني جائع هل أجد عندك شيئا آكله ؟
فملأ له صحفة من القدر الذي أمامه ،فأكل نعمان ،واستراح ،فسأله الشّيخ ما الذي أتى بك إلى هنا فلا توجد الأرانب ولا حتى الطيور ؟ فحكى له عن قصّته، ففتح الشّيخ عينيه من الدّهشة ،وقال هذا السّحر لم تعد تعرفه سوى امرأة عجوز، ولقد ماتت من زمن ،لا شكّ أنّ أحدا آخر تعلّم منها ،ثم نزع حذائه ،وهنا صاح مروان : غير معقول !!! فلقد كان للشّيخ إصبع ذهبي مثله ،قال له الرّجل : لا تتعجّب فلقد كنت أنتظر قدومك منذ سنوات، ولقد حاربت هذه السّاحرة ،ومن كان قبلي حاربوا أجدادها ،ولم نقدر على القضاء عليهم لشدّة دهائهم ،قال مروان :سأفعل ذلك ،فتلك السّاحرة محجوبة أكثر شؤما من الشّيطان، وتخدع كلّ من يصادفها ،قال الشّيخ :أدخل للمغارة ،وسترى الزّهرة، فأنا حارسها !!! ما كاد مروان يطلّ حتى رأى عشرات الزّهور الشّفافة تضيئ الصّخر بلون أزرق جميل ،فقطف سبعة زهرات ،وودّع الشّيخ ،ونزل الجبل ،كانت الزّهور تتلألآ وسط الظلام ،فلم يكن من الصّعب عليه أن يعرف طريقه وسط الأشجار العالية.
لمّا وصل اشتغلت امرأة الصّياد طول الليل ،وأعدّت له مرهما ،وأوصته أن يدهن ذراع أشواق مدّة يومين، وفي اليوم الثالث يجرح مكان اللدغة ويغمسها في سطل من الماء والخل ،ولمّا رجع نعمان نفّذ ما قالت عليه المرأة ،وحين وضع يدها في الماء رأى دويبات صغيرة تخرج مع الدّم ،وتموت بالخلّ ،نزفت الأميرة كثيرا حتى أصبح دمها صافيا ،فضمّد الأطباء الجرح ،وبقيت ثلاثة أيّام نائمة ،وهي تعاني من الحمّى ،وكان مروان بجانبها لا يفارقها ،وهو يعصر ندى الورود في فمها ،وأحبّه السّلطان لمّا رأى عنايته بابنته ،وأخيرا فتحت أشواق عينيها ،وقالت :أريد أن أرى أمي وأبي ،فجاءا إلى غرفتها ،وعانقاها وهما يبكيان ،ومن الغد اجتمع السّلطان بالحاشية و الوزراء وقال لهم: لقد عيّنت مروان وليّ عهدي وهو في مقام إبني الذي لم يرزقني الله به ،أرسلوا المنادي في الأسواق، وليعلم الحاضر الغائب .
كانت المرأتان تبيعان الأعشاب الطبية والعقاقير في دكّانهما بالسّوق، وفجأة سمعتا المنادي يصيح بأنّ مروان أصبح ولي العهد بعدما شفى الأميرة أشواق من مرض غريب، فقالت محبوبة لرفيقتها السّاحرة يبدو أنّك كبرت في السّن ،ولم يعد سحرك يخيف حتى فأرا صغيرا !!! فقطّبت محجوبة جبينها ،وصاحت :ويحك ،هل هذا وقت السّخرية ،فتلك الحشرة الخبيثة لا ينجو منها أحد إلا إذا .. ظهرت الحيرة على وجه محبوبة، وقالت لرفيقتها : تكلّمي فلقد بدأت أشعر بالقلق !!!
…
يتبع الحلقة 7
حكاية الولد ذو الإصبع الذّهبي
من الفولكلور المغربي
نهاية السّاحرة الشرّيرة (حلقة 7 والأخيرة )
صمتت محجوبة برهة ثم قالت: أنت لا تعرفين كلّ شيء ،فمنذ قديم الزّمان والسّحرة الكبار يتصارعون مع جماعة من الرّهبان الذين يعيشون في جبل غير معروف ،وهم فقط يملكون التّرياق: الزّهرة الشّفافة ،هذا يعني أنّ مروان تمكّن بطريقة لا أعلمها من الوصول إليهم !!! أجابت محبوبة :وما يهمّنا منه ،إن لم نقدر على مروان ،سننتقم من أمّه وأبيه ،قالت محجوبة : لم تفهمي بعد، هذه الجماعة قتلت كلّ السّحرة ،ولم أبق سوى أنا ،والآن هم يعلمون بوجودي ،وسيطاردونني ،لقد كانت فكرتي سيّئة جدّا ،فهذا السّحر هو الذي كشف أمري ،إسمعي سنراقب مروان ،وهو الذي سيقودنا إليهم ،وسأقتلهم قبل أن يعثروا عنّي !!! في الصّباح قال الفتى للسّلطان: لست في أمان في القصر يا مولاي ،فهناك عشرات الخدم ،والنّاس تدخل وتخرج كلّ يوم ،الرّأي عندي أن تتنكّر أنت وامرأتك والأميرة ،وأحملكم إلى مكان بعيد لا يصله أحد !!! ثم أرسلهم عند صيّاد السّمك في الغابة ،بعدما سبقهم إلى هناك أمّه وأبوه .
صارت محجوبة تغطي رأسها ، وتخرج وراء مروان ،لتعرف كيف وجد الزهرة الشفّافة ،لكن لم تكن تعلم أن ذلك الولد أحس بوجودها بعد أن علّمه الشّيخ سرّ السّاحرات ،صار يعرف أنهنّ يعشن طويلا ،و يجدّدن شبابهن ،ولا تقتلهنّ إلا النّار ،وطبعا محجوبة لا تعلم حقيقة مروان وأنّه من جماعة الأصابع الذّهبية !!! ولكي يخدعها نحت تمثالين لأبيه وأمّه ،ووضع عليهما الثياب لدرجة أنه لا أيمكن تمييزهما عن الأحياء ، ووأجلسهما في النافذة ،ولمّا رأتهما السّاحرة إعتقدت أنّ أبويه في الدّار ،وذات يوم قالت: سأجبره أن يقودني إلى الرّهبان ،فتسلّلت إلى البستان، وصبّت سائلا أحمر في البئر وقالت في نفسها :من يشرب الماء يتساقط شعره ثمّ جلده ،وسيجري مروان للجبل لإحضار الزهرة ،وحينها سأحرق تلك الزّهور اللعينة ،وأنتقم من الرّهبان على ما فعلوه في حقّنا .
في الصّباح الباكر جاء مروان للبستان ليسقي الحيوانات، ولمّا أراد ملئ الدلو رأى أنّ العصافير والفراشات لا تقترب كعادتها من الماء ،فحكّ رأسه، وقال: إنّها لا تفعل ذلك إلا لسبب ،ولا شكّ أنّ السّاحرة دسّت سمّا ليمرض أبواي ، وتتبعني للمغارة ،يا لها من خبيثة ،ستقضي على أعدائها بضربة واحد ة ،لكن من حسن حظي أني تربّيت في الغابة مع الحيوانات ،والليلة أيتها اللئيمة ستقعين في الفخّ الذي حاولت نصبه لي ،وفي المساء حفر حفرة عميقة وملأها بالحطب ،وأخرج التمثالين ،ونصبهما حول النّار وبدأ يشوي اللحم، ويغنّي ،واجتمعت للكلاب والقطط حوله وهي تموء وتنبح بسعادة ،جاءت محجوبة لتسمع الأخبار فلا شك أن غريمتها عيشوشة قد شربت من الماء هي وزوجها ،وتريد أن ترى بعينيها كيف يسقط جلدها ولحمها ،وتستمتع بذلك .لكنها لما أطلت على البستان رأت الزّوجين يشويان اللحم ويغنّيان ،وحولهما الحيوانات ، فتعجّبت ،وقالت: ماذا يجري هنا ؟ لا يوجد عليهما أي أثر للسمّ ،سأقترب وأرى ما يحصل !!!
اختفى مروان وراء شجرة ،ولمّا أصبحت مقابل التّمثالين أخرجت مسحوقا أبيض ،وصاحت سنرى إن كنتما ستنجوان هذه المرّة !!! خرج مروان ورائها ،وقبل أن تتحرك دفعها بقوة في ظهرها فسقطت في الحفرة العميقة ،التهمتها النيران ،وفي الفجر جمع الرّماد في كيس ودفنه في الغابة أمّا محبوبة ،فانتظرت أيّاما ،ولمّا لم تأت رفيقتها ،قالت :سأبيع الدّكان وأرحل !!! لكن سمعت صوتا ورائها يقول: عندما تغرق السّفينة تفرّ الجرذان ،ولكن لا تقلقي ستكونين في ضيافتنا ،ولن ترين ضوء الشّمس أبدا ،ولمّا التفتت رأت مروان يحيط به الحرس ،وقال لها: آه، نسيت !!! رفيقتك محجوبة تحوّلت إلى كومة رماد ،وأنا الحارس الأخير لمغارة الزّهور ، ذو الإصبع الذّهبي …
…
إنتهت وشكرا على المتابعة والإهتم
منقول