حكاية الأخوين وقصر الفضّة
من الفولكلور الليبي
مسعودة بنت الغولة (حلقة 1 )
كان يا ما كان في قديم الزّمان أخوين أحدهما فقير والثاني ثري ،و الاثنان متزوّجان ،وكانت زوجة الفقير إمرأة جميلة، وتشتغل عند سلفتها من الصّباح الى الليل، وبسبب غيرتها منها لا تعطيها مالا ، وتقول لها آخر اليوم :إجمعي بقايا القمح الذي سقط من الغربال على الأرض، وخذيه اجرك!!! وكانت تستمتع لما تراها تجمع القمح بالتراب ،وتدمي يديها بالأشواك ،وهكذا تمرّ الايام والليالي،والاخ الفقير وزوجته صابران على ذلّ إمرأة أخيه من أجل أولادهما الصّغار ،ويدعوان الله كلّ مساء لكي يرزقهما من نعمته ،ويرفع عنهما الظلم .
أحد الأيّام ،قال الأخ الفقير لإمرأته: لم أعد أطيق صبرا على هذه الحياة ،فنحن لا نربح إلا القليل ،وأخي لا يخجل من سبّي،وبأني لولاه لمتّ من الجوع ، ولهذا السّبب سأرحل في أرض الله ،ولن أزيد يوما آخر هنا !!! ثم وضع زاده على ظهره ،وخرج لا يعرف أين يذهب ،ومشى حتى دخل غابة كبيرة مليئة بالأشجار والناتات ،بقي يدور لكي يخرج منها ،لكن حلّ المساء، وأظلمت الدنيا ،ومازال هناك ،فأحسّ بالخوف في هذا المكان الموحش ،وندم على ترك إمرأته وأولاده دون مال وطعام ،وبدأ بالبكاء على حظّه العاثر ،لكنّه فجأة رأى بنتا ملتفة برداء أسود تمرِّ أمامه بسرعه ،فناداها ل،كنها إختفت، فجرى ورائها ،وهو يتسائل ماذا تفعل هذه الشّقية هنا ؟لا شكّ أن هناك من يسكن هذه الغابة ،وسيرشدني إلى الطريق !!!
في النّهاية توقّف أمام قصر كبير غارق في الظلام، وسمع نعيق البوم ،فخاف وهم بالهرب وهو يتعوّذ بالله ،فماذا لو كانت تلك الفتاة من الجنّ أو أحد الأشباح ؟ ثم تشجّع ،وقال في نفسه: ليس لدي ما أخسره فأنا فقير ،ولو متّ فربّما تتزوّج إمرأتي من رجل آخر ينفق عليها وأولادها ،فهي جميلة ،والنّاس تحسدني عليها،ثمّ أخذ عود حطب أشعله ،وتقدّم نحو القصر، ثم دفع الباب فانفتح على مصراعيه، وعلى ضوء النّار رأى غرفة واسعة مليئة بالتّحف،وفي آخرها مدفئة مشتعلة،وعليها قدر يغلى ،وقد تصاعدت منه رائحة اللحم ،فأطفأعود الحطب ،واقترب من القدر،وفجأة سمع صوتا وراءه يقول له :يبدو أنك جائع إلى درجة أنّك لم تهتم بالتّحف واللوحات النّفيسة المذهّبة ،فارتعد الرّجل حتى كاد يسقط أرضا ،ولمّا إلتفت رأى البنت التي صادفها في الغابة تبتسم له ،وقد ظهرت أنيابها .
قالت له: لا تخف، إسمي مسعودة ، وأنا لست كأمّي ،تعال نأكل ،وقصّ علي حكايتك !!! فأنا أعيش معظم الوقت وحدي ،وقلّما يأتي أحد إلى هنا ،وإذا حدث ذلك ،فمن يأتي يحاول سرقة تلك التحف الثمينة، وحينئذ أقتله ،لأنها ملك لعائلتنا منذ مئات السّنين، وأنا وأمّي نحرسها ،والأن قل لي ما الذي أتى بك لهذا لهذه الغابة الموحشة التي لا يدخلها النّور !!! كان الرّجل يأكل ويستمع ،ثمّ همّ بوضع قطعة لحم في فمه ،لكنه توقّف ،فضحكت البنت وقالت : إنه لحم خروف ،بدأ يحسّ بالإطمئنان رغم وجها المخيف ،ثم حكى لها عن أخيه الكبير وكيف تزوّج امرأة غنيّة لكنها لئيمة ،أمّا هو فتزوّج امرأة جميلة وطيّبة القلب لكنّها فقيرة ،وكانا يشتغلان عند أخيه الذي يسخر منه لأنّه فكّر في الحبّ عوضا عن المال ،وهو لا يتردد عن إذلاله مع إمرأته ،حتى اليوم الذي قرر فيه الرحيل من تلك البلاد لكن قلبه يتقطع ألما حين يتذكّر أنّه يأكل أحسن الطعام، وأولاده وأمّهم يبيتون جوعى .
بكت البنت لمّا سمعت هذه الحكاية، ثم مسحت دموعها ،وقالت له: إسمع عندما تخرج من هذه الغرفة ستجد رواقا طويلا فيه سبعة غرف ،ولمّا تصل السّابعة خذ منها ما تقدر على حمله من الفضّة ،وانصرف !!! شيئ آخر إيّاك أن تفتح بقية الغرف ،فما فيها ليس من شأنك ،وإذا خرجت من هنا فلا تعد مرّة أخرى ،فأنا لا آمن عليك من أمّي ،ولا تعلم أحدا بما جرى مهما حصل ،هل تعدني بذلك ؟ أجاب الرّجل : سرّك في بئر ..
…
يتبع الحلقة 2
حكاية الأخوين وقصر الفضة
من الفولكلور الليبي
الله يرزق الأخ الفقير (حلقة 2)
دخل الفقير للرواق ،ونظر يمينا وشمالا ،فرأى سبعة أبواب عليها زخارف بديعة ،فمدّ يده ليفتح إحداها ،لكنّه تذكّر وصيّة البنت ،ومشى حتى إقترب من الباب السّابع ثمّ فتحه ،ووقف ينظر بدهشة إلى أكوام الفضّة، فأخذ كيسا وملأه إلى الرّبع، ثم وضعه على ظهره ،وخرج . لمّا رأته بنت الغولة قالت له : لأنّك لم تكن طمّاعا ،ستفوز بما حملته ،وهو حلال عليك ،و لو ملأت الكيس لما تمكّنت من الإبتعاد عن القصر،ولعثرت عليك أمّي ،وقتلتك !!! أجابها الرّجل: طول عمري عشت فقيرا ،وما كنت أحلم به ليس الثّراء بل أن أشبع من الطعام أنا وإمرأتي ،وأطفالي .قالت مسعودة : إذا أحسنت التّصرف فيما حملته فلن تعرف الفقر !!! والآن إذهب في أمان الله وسأدّلك على الطريق في هذا الظلام الدّامس .
بعد نصف ساعة توقّفت الفتاة، وقالت له :واصل في هذا الإتّجاه ،وستبلغ أوّل أشجار الغابة ،أمّا أنا فسأجري للقصر قبل أن ترجع أمّي من الصّيد .جلس الرّجل ليستريح قليلا ،وهو لا يصدّق نفسه ، ثم واصل طريقه ،ولمّا طلع الصّباح ذهب إلى السّوق ،واشترى حمارا وعشرة عنزات ،وطعاما ثم ركب حماره ورجع إلى بيته و من بعيد شاهد أولاده يقطعون بعض الجذور والأعشاب ،ولمّا رأوه، رموا ما في أيديهم ،وجروا نحوه ،وهم يتصايحون ،وقالوا له: إنّنا نحسّ بالجوع يا أبي !!! فردّ عليهم وهو يبكي :ستأكلون وتشبعون ،ثم فتح الباب، وقال أين أنت يا امرأة ؟ تعالي، فالدجاج المشوي لا يزال ساخنا ،وهناك الخبز والزيتون والفلفل، فلمّا سمعت صوته بدأت تزغرد ،ثم مدّ الجميع أيديهم ،وأكلوا ،قال الصّبيان لأمّهم :لقد رجع أبي بقطيع من الماعز، وهو يرعى قرب الدّار ،فنظرت إلى زوجها باستفهام، لكنّه أجابها: سنعدّ برّادا من الشّاي على الكانون ،وسأحكي لك عن كلّ شيء .
وقفت المرأة أمام الشّباك،وأطلت على العنزات والحمار ،ثمّ قالت :ما أعجبها من حكاية لا تخطر على بال!!! لكن أخبرني ماذا تنوي أن تفعل بهذا القطيع ؟أجابها زوجها : سنأخذ الحليب، ونصنع به جبنا وزبدة ،وسأنزل وأبيعها كلّ صباح في السّوق، أمّا باقي الفضّة فسنصلح بها هذه الدّار الخربة ، ونأثّثها بأحسن الأثاث !!! أجابته : أليس هذا كثير علينا ؟ قال لها : الله يرزق من يشاء دون حساب ،ولن تذهبي بعد اليوم إلى زوجة أخي ،فهي ليست أفضل منك . وراجت تجارة الرّجل وإمرأته ،وكبر القطيع ،وأصبح فيه الخرفان والأبقار والماعز ،،بعدذلك اشتريا الأرض التي بجوارهما ،وزرعاها بالقمح والشّعير .وتحسّنت حالهما ،وحوّلا الدّار إلى قصر.
في أحد الأياّم قالت امرأة الأخ الغنيّ لزوجها : لم يعد أخوك يأتي إلى هنا ،لا هو ولا إمرأته، هل تعتقد أنهما بخير ؟ أجابها :وما يعنيني من أمره ؟فقد كان أبي دائما يفضّله عليّ ،لكن في النّهاية نجحت أنا ،وبقي هو معدما !!! كانت المرأة تعرف سوء زوجها ،لكن لم تكن تتخيّله بتلك الصّفة ،فأخذت خبزتين، وشيئ من الخضار ،وقصدت دار سلفتها ،ولمّا شاهدت القصر والضّيعة قالت في نفسها : دون شكّ لقد أخطئت في العنوان !!! ولمّا سألت رجلا عن دار فلانة، أشار إلى القصر ،وهمس :يقال أنّ زوجها عثر عن كنز ،والله أعلم .،فرجعت تجري إلى زوجها ،وأخبرته بما رأت وسمعت ،فتعجب ،وصاح : هذا لا يمكن ،لا بد أن أعرف منه سرّ ثرائه ،ثم ذهب إليه محملا بالهدايا ،وإستدعاه إلى وليمة كبيرة في داره .
ففرح الأخ الفقير ،وإعتقد أنّ أخاه الكبير قد تاب عن فعل الشرّ، وفي المساء ذهب مع زوجته وأولاده ،فأكلوا وشربوا، وبعد الطعام قال الأخ للصّبيان: تعالوا سأريكم شيئا مسلّيا ،ثم عاد بمفرده ،ولمّا سأله أبوهم: أين ذهبوا ،أجابه : إن شئت رؤيتهم ،فاخبرني عن مكان الكنز !!! تظاهر الرّجل بأنّه لا يفهم ،فغضب أخوه،و قال: لا تحاول خداعي !!! لكن المرأة صاحت: سأخبرك بكلّ شيئ، وبعد أن حكت له القصّة،فتح دهليزا مظلما، وأطلق الصّبيان . وفي الصّباح تجهّز الأخ الغنّي، ووضع على حماره زنبيلين كبيرين ،عزم على ملئهما بالفضّة،ثمّ ركب عليه ،وقصد غابة القصر …
…
يتبع الحلقة 3 والأخيرة
حكاية الأخوين وقصر الفضّة
من الفولكلور الليبي
إنتصار القناعة والحبّ (حلقة 3 والأخيرة )
إقترب الأخ الغنيّ من القصر الموحش فأحسّ بالخوف، لكنّه قال في نفسه : أخي ليس أشجع منّي ثمّ دفع الباب ،ودخل، فرأى إبنة الغولة واقفة أمامه فسألته عمّا يفعله هنا ،ومن سمح له بالدّخول ،فبدأ يبكي وقال أنه رجل فقير يبحث عن عمل ،وقادته قدماه إلى هذا المكان !!! فنظرت إلى ثيابه الرثة ولحيته الطويلة ،فأشفقت عليه وقالت له :في الرواق سبعة غرف ،إفتح السّابعة ،واملأ ما تشاء من الفضّة ،وإياك أن تحاول فتح الغرف الأخرى !!! فجرى إلى الغرفة السّابعة ،ووجد فيها أكواما من الفضة الخالصة، فأخذ كيسا وملأه عن آخره ،وبدأ يجرّه.
لكنه فجأة وقف وقال: قبل أن أمشي سأرى ماذا يوجد في بقية الغرف، ولما فتح الغرفة المجاورة رأى كدسا كبيرا من الليرات، والأواني ،والتماثيل فأفرغ الكيس من الفضة ،وملأه بالذهب ،ثم حدثته نفسه بفتح بقية الأبواب ،وكلما كان يفتح غرفة يجد شيئا أثمن: واحدة فيها ياقوت والأخرى وزمرّد والتي بعدها، ألماس ،وكان كل مرّة يفرغ الكيس ،ويعيد ملأه بما هو أغلى ثمنا ،ولكثرة طمعه لم يشعر بأنّ الوقت يمرّ بسرعة ،ويقترب من نصف الليل ،وفي النهاية وصل للباب الأخير ،وكان مزيّنا بالزخارف الجميلة ،فقال في نفسه : دون شك ما يوجد هنا هو أثمن من كلّ رأيته :ثم فتح الباب فشاهد جرة كبيرة ،ولما أدخل يده فيها وجدها مليئة بالقمح ،فقال: يجب أن أخرج الآن لكنّه سمع صوت الغولة تقول: آدمي في قصري والويل له منّي !!! فترك كل شيئ وهرب وهو يلعن حظه، فكل هذا التعب لأجل حفنة قمح ،وجرت الغولة خلفه ،فوجدت الحمار ،فقتلته ،وعادت به إلى القصر .
وسار الأخ الغنّي في البراري إلى أن تورمت قدميه، ولمّا وصل داره كان في حالة يرثى لها، ولم يعد يقدر على الوقوف ،فأتت إمرأته بأجير ليشتغل في أرضها وكان صحيح البدن قويّا ،فبدأت تقضي اليوم قربه ويأكلان معا، ولما يجوع الرجل يتحامل على نفسه ويبحث في الجرار فيجدها فارغة ،وفي المساء تعود المرأة وقد شبعت من الطعام ،فتدخل فراشها وتنام . فأحسّ الرّجل بالحزن لمعاملتها وهو مريض. ،وبدأ يبكي على حظه ،وشدّة طمعه ،فلو أخذ الألماس، ولم يفتح الغرفة الأخيرة لكان الآن أغنى شخص في المملكة ،والغولة معها الحق ،فالقمح أغلى من كل شيئ ،وما هو فائدة المال حينما لا تجد ما تأكله ،لقد فهم ذلك فقط عندما جاع .
وفي الصّباح تحامل على نفسه ،وذهب إلى دار أخيه ،فتحت له المرأة ،ولما رأت حالته أدخلته ،وأعطته طعاما ،ثم قالت له : أخبرني ما حدث لك ،وأين زوجتك ؟ فتنهد ،وأجابها : أنا مريض بعدما لاحقتي الغولة في الغابات ،أما زوجتي ،فلم تعد تريدني بعدما أصبحت غير صالح للعمل !!! فأشفقت عليه وقالت : لا بأس إشتغلي عندنا، وسأعطيك أجرة ومأوى ،أجابها :هل تفعلي حقا ذلك من أجلي بعدما قاسيتموه مني ؟ قالت زوجة الأخ : حصل خير،وقبل كل شيئ فنحن جيران ،أليس كذلك ؟ولما رجع الأخ الصغير من السّوق،وسمع ما حدث لأخيه إستغفر الله ،وقال أخي طول عمره طمّاع ، ولم يرحمني ولقد نال جزاءه ،ثم أنشد :
الدّنيا تدور فلا تأمنها
و دار أخوك لا تجاورها
فلو كان في قابيل الخير لما قتل أخاه
ولما بكى المظلوم أباه
وقال إرحمني ربّاه
ثمّ خاطب إمرأته قائلا : سبحان الله قبل أشهر كنت تلتقطين القمح من أرضه لتطعمي أطفالك ،والآن هو من يخدم عندنا !!! لكن أعرف قلبك الطّيب ،فلن تردّي له ما فعله بنا ،وبقيت كما عرفتك أوّل مرّة ،أمّا أخي فإختار زوجة جشعة ،تحبّ المال، فرمته كالكلب لمّا مرض ،ففي النّهاية المروءة والقناعة هما من إنتصرا على اللؤم والجشع ،وهذه عبرة لمن يعتبر .
…
إنتهت